د . عبد الله دناور

 قبس من ذكريات ـــــــــــــــــ رحم الله أبي تذكرته اليوم وقد عاد عصراً في أحد أيام رمضان من عمله مع أحد المتعهّدين في تعبيد الطرق وكان صائماً عطشاناً.. و الوقت قيظ نار من فوق ونار من تحت.. نار الإسفلت.. تكاد شفتاه أن تتشققا..يومها أحضرنا له قدراً من ماء بارد وظلّ واضعاً قدميه فيه وينضح الماء على وجهه ورأسه حتى الفطور كان أبي رفيق الصباح ودائماً توقظه العصافير ولا أعرف إذا كانت هي التي تعرف توقيت استيقاظه ومن يومها عرفت الصباح وصارت تدّخر له وتخصه بزقزقاتها وربما كانت تقف قريبا لتسمع قراءته الجهرية في صلاة الفجر رغم أميّته..لكنه يقرأ القرآن بشكل صحيح وصوت حسن.. تراها كانت تأخذ الإذن لتبدأ عزفها المنفرد.. حتى إذا أعدّ زوّادته البسيطة وجهّز محراثه وقصد حقله ..ربما سبقته العصافير ذاتها التي أيقظته لتسمع مواويله العذبة وهي تملأ الأجواء.. كانت خطوط محراثه مستقيمة رغم طول الأرض.. أتعجب من استقامتها وأتساءل كيف ذلك.. يضحك ويتحفني بحكمته. ـ يا بني استقم يستقم لك ومعك كل شيء ـ ويبدو لأبي جزاه الله الفضل الأكبر فهو الذي ورّثني عشق الصباحات وصداقة العصافير.. غير أني انتهجت نهجاً آخر فقد كنت أقصد النهر باكرا لأتعلم أول دروس البوح من ناعورة النهر التي بجوار أرضنا وكم كنت أسأله لماذا لم تختاروا أرضاً لنا بجوار النهر والناعورة.. فكان يبتسم ويقول.. أما عن هذا فليس الأمر بيدي ولا أعرف نفسي إلا في هذه الأرض وأرجو أن يبقينا الله فيها ويبقيها لنا ويحميها لنا ولكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عبدالله دناور. 15/4/2021


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكاتب مزهر مكي

محمد عبد القادر زعرورة

بعنوان همس الحب بقلم الشاعر والكاتب محمد عبد القادر زعرورة