يوميات مضيفة طيران بقلم عبده داود

 يوميات مضيفة طيران سحر تبحث على عمل 1 سحر كانت طالبة في الجامعة السورية، كلية الأدب الفرنسي، السنة أخيرة. عرفوها ذكية، مجتهدة، ولطيفة المعشر...غير ذلك هي جميلة جداً، وصفها زملاؤها الطلبة بانها من أجمل بنات الكلية آنذاك... عديدون من طلاب الجامعة حاولوا ان يكسبوا ودها، لكن لم يسترعِ انتباهها أحد منهم، ليسوا لأنهم غير كفء، لكن هي لم تكن تفكر في الارتباط مع أي أحد قبل أن تتخرج في الجامعة... هدى أختها كانت في السنة الثالثة في كلية التربية اختصاص تربية أطفال... سحر كانت نموذجاً للطلبة الجادين بين زملائها، كما كانت المرجع اللغوي القوي لهم في اللغة الفرنسية، والسبب الرئيس هو لغتها المتينة، التي اكتسبتها من مدارس الراهبات الخاصة...ومن المعروف بأن تلك المدارس اسطورة في التعليم الجاد، والصعب، وخاصة في اللغة الفرنسية والإنكيزية... سحر أثناء دراستها في المرحلة الثانوية كانت من الطالبات المتفوقات، والراهبات أحبوها لتميزها... بعد نجاحها في البكلوريا، كانت ترغب في دراسة الجغرافيا، كونها تهوى دراسة كل ما يتعلق بشعوب العالم، موقعهم، عدد سكانهم، عواصمهم، دياناتهم، عملاتهم، جغرافية ارضهم، نظام حكمهم، مناخ بلادهم، مدنهم وتاريخ حضارتهم. وكل ما يتعلق بهم... لكن أهلها والراهبات والأب ميشيل صديق العائلة شجعوها على دراسة الأدب الفرنسي، بحجة سهولة الحصول على وظيفة ما بعد التخرج، لأن فرصة العمل الوظيفي أمام دارسي اللغات الأجنبية، أكبر من فرصة حاملي شهادات الجغرافيا. أو الشهادات الأدبية الأخرى... أخيرا وبصعوبة أقنعوها، وانتسبت لكلية الأدب الفرنسي. ونظرا لمتانة لغتها الفرنسية كانت لا تحتاج إلى كثير من الوقت للدراسة الجامعية، بينما كانت تقضي الساعات في مكتبة الجامعة، تقلب أطالس وجغرافية العالم ومراجع باللغة الفرنسية والإنكليزية، وكم كانت تسعدها معرفة تلك المعلومات عن تلك الشعوب... وكانت دائماً تتحسر لماذا لم تدرس الجغرافيا. تخرجت سحر في الجامعة بتفوق، فأهداها والدها بيانو، وقد كلفه مبلغاُ غير قليل حتى تعزف متى ابنته عندما تشاء وتسعد ذاتها وتسعد أهلها. سحر اتقنت العزف على البيانو بمدارس الراهبات والجميع كانوا يستمتعون بعزفها المتقن. والداها كانا يفعلان ما أمكنهما ليسعدا أبنتيهما الوحيدتين سحر وهدى... طبعا لا تقل معزة هدى عن معزة أختها سحر، لكن سحر هي الأكبر وهي اللحن الجميل، تشعر بدلالها، وهي مهضومة، ورقيقة المشاعر... كان يمتعها كثيراً الطيران المدني، لذلك كثيراً ما كانت تأخذ أختها ورفيقات في سيارة والديهما، إلى مقهى مطار دمشق الدولي، سحر كانت تجلس بجانب الزجاج المطل على مدرج المطار تحتسي قهوتها، وتراقب اقلاع وهبوط الطائرات من وعلى المدرج الطويل.... تخرجت سحر، وأخذت تبحث عن عمل، وهي لم تكن تعرف ما هو ذاك العمل الذي تبحث عنه... لم يكن يعجبها أي عمل من الاعمال التي تصادفها ولم يقنعها أي منها... ارشدوها على وظائف في المصارف، في مكاتب تجارية، في شركات صناعية، في فنادق راقية، وغيرها، وغيرها، لكنها كانت ترفض كل تلك الاعمال... وعندما يسألها سائل ما هو العمل الذي ترغبينه يا سمر؟ كانت تصمت وتبتسم لأنها هي ذاتها لم تكن تعرف ما هو العمل الذي تبحث عنه... فكرت بالعمل في إحدى السفارات، لكن حينها لم تكن هناك شواغر متوفرة... مضى عامان على تخرج سحر وهي لا تعرف ما هو العمل الذي ترغب فيه...كانت تقول العمل العادي سيسرق شبابي، ويسرق أجمل أيام عمري، لذلك يجب أن يكون العمل الذي سأختاره، جزءاً من حياتي، أحبه، ويحبني، اتمتع فيه في كل لحظة من لحظات عمري...عمل اعشقه...كنت أتمنى أن أكون مدرسة جغرافيا أما الآن لا أدري، لن أعمل من أجل الراتب مهما كان كبيراً، انتظره إلى نهاية الشهر، أقبضه واصرفه، وأعود لأنتظر نهاية الشهر التالي من جديد... ومع ذلك كنت لأقبل باي راتب لو وجدت عملاً أحبه يقنعني، لكن لن أعمل في عمل لا احبه، عمل لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، عمل يسرق عمري رغماً عني، ستكون تلك كارثة حياتي دون ريب... سوف أنتهي وراء طاولتي، وطاولتي ستنتهي معي، وربما يصنعون نعشي من خشبات تلك الطاولة التي تحطمت معي... في الوظيفة، سوف يأكلني الممل القاتل، ويضيع عمري، وأكون قد بعت حريتي مجاناً لناس أكون مجبورة على تنفيذ اوامرهم السخيفة أحياناً، وسأمضي الوقت انتظر نهاية الدوام، حتى اركض هاربة من السجن الذي دخلته بإرادتي، بعد أن بعت عمري لقاء نقود تافهة... لا، وألف لا. لن اقبل ولن ادخل السجن الوظيفي بمحض إرادتي... العمل الوظيفي لا يناسبني...لكن مشكلتي لا أعرف ما هو العمل الذي يناسبني... تخرجت هدى ايضاً من كلية التربية وعلم النفس اختصاص ارشاد مدرسي، هدى تعرف ما هو العمل الذي ستعمل فيه، التعليم وهي راضية عنه وسوف تمارسه وهي مسرورة به، وهي لا تفكر بمنطق اختها... لكنها سعيدة في نصيبها في الحياة وتقول الخير فيما اختاره الله لي... الجميع كانوا يرغبون أن تدخل سحر في سلك التعليم، وتعمل مدرسة لمادة اللغة الفرنسية. هكذا كان ابويها يعملان في التعليم قبل تقاعدهما... قالوا لها يا سحر، التدريس هو من أرتب الوظائف، ألا تعلمين بأن المعلم كاد أن يكون رسولا؟ وبالفعل والدها أوجد لها وظيفة معلمة في مدرسة خاصة في باب توما، قريبة من دار سكنها، هي ذات المدرسة التي درست فيها هي واختها عندما كانتا طالبتين بالثانوية، وقد رحبت الراهبات جداً بطلب سحر لأنهن يعرفن اخلاقها ومقدراتها...وقالت الراهبة الرئيسة، لن نجد أفضل من سحر لتكون معنا، ستكون سحر مدرسة عظيمة، تناسبنا دون شك في كافة النواحي، سحر أبنتنا ونحن نعرف من تكون سحر. ذلك المساء كانت سحر جالسة بجانب بحيرة صغيرة في دار أهلها الواسعة، واحدة من بيوت دمشق القديمة، قريبة من كنيسة حنانيا تقع بين باب توما وباب شرقي، حيث يقطن التاريخ القديم، وأيضاً التاريخ المعاصر... قبيل فتوح المدارس، كانت سحر تحتسي القهوة بجانب نافورة الماء في منزلهم الواسع، لمحت مجلة نسائية على الطاولة بجانبها، أخذت تقلب صفحاتها دون الاكتراث بما تحتويه المجلة... لفت نظرها اعلان، نشرته شركة الطيران العربية السورية تطلب مضيفات طيران جويات، أعادت قراءة الإعلان بتمعن، واعادت قراءته ثانية، وثالثاً وأعادت قرأته عدة مرات، وبعد كل مرة، كان يتوهج الشوق في قلبها، ويحلق فكرها بعيداً، تمتطي الشهب، وتتنقل في عواصم العالم، وتتعايش مع شعوب الارض، وقالت بذاتها، هذه هي، لقد وجدتها، نعم وجدتها، هذه هي الوظيفة الذي أبحث عنها، هذا هو العمل الذي أبحث عنه، بالتأكيد هذا هو ولم أكن اعرفه... امتلأ قلبها بالابتهاج، اخذت ترقص تحت شجرة النارنج الضخمة، في ارض دار بيتهم الواسعة... وهي بغاية السعادة...وتغني، لقد وجدتها لقد وجدتها... في اليوم التالي، جمعت أوراقها الثبوتية المطلوبة، وذهبت إلى شركة الطيران... راجعت المسؤولة أوراق سحر الثبوتية بدقة وعناية، وقبلتها مبدئياً، وحددت لها موعداً لفحص المقابلة... سحر أخفت الموضوع عن الجميع، فقط اختها كانت تعرف سرها، وحرصا منها أن تنال الوظيفة، صارت تذهب يومياً إلى الكنيسة تصلي وتطلب من العذراء أن تساعدها، وتقول لها أرجوك يا عذراء ساعديني. هذا هو حلم حياتي، هذا هو شغفي، وفي هذا العمل سأجد نفسي، وأعيش سعادتي... وتقابل الأب ميشيل في الكنيسة وغالباً ما كان يسألها ألم تجدي وظيفة تحبينها بعد؟ كانت تضحك وتقول لا بد سيفرجها المولى... ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكاتب مزهر مكي

محمد عبد القادر زعرورة

بعنوان همس الحب بقلم الشاعر والكاتب محمد عبد القادر زعرورة